“مش كل خروجة بليل تبقى غلط”
من ساعة ما اتجوزت “أحمد”، وأنا بحاول أقنع نفسي إن الدنيا ممكن تدي فرصة تانية. بعد طلاقي من أبو بنتي “ريم”، كنت خايفة أكرر نفس الغلط… بس أحمد كان مختلف. هادي، طيب، وبيحب ريم كأنها بنته.
بس في حاجة بدأت تخليني مش مرتاحة.
كل شوية ألاقيه يقول لها:
— يلا يا ريم، ننزل نتمشى شوية ونجيب حاجة حلوة.
وكانوا يخرجوا… بليل… ويرجعوا متأخر.
في الأول قلت عادي، يمكن بيحاول يقرب منها. بس مع الوقت، الموضوع زاد عن حده. كل يومين تقريبًا نفس الحكاية.
ولما كنت بسأل ريم:
— روحتوا فين؟
كانت ترد بسرعة:
— جبنا آيس كريم يا ماما.
بس الغريب… مفيش مرة رجعت ماسكة حاجة في إيدها.
الشك بدأ يكبر جوايا زي نار هادية… تاكل في أعصابي.
وفي يوم، وأنا قاعدة لوحدي، قررت أعمل حاجة عمري ما تخيلت إني أعملها.
كنت مركبة كاميرا صغيرة في العربية من زمان عشان الأمان… بس عمري ما فكرت أفتحها.
فتحت التسجيل… وقلبي بيدق بسرعة.
العربية اتحركت من تحت البيت… أحمد سايق، وريم قاعدة جنبه، ساكتة، حاضنة نفسها.
مفيش ضحك… مفيش هزار… مفيش أي حاجة شبه خروجة لطيفة.
عدّوا من الكشك…
من السوبر ماركت… من كل الأماكن اللي ممكن يجيبوا منها آيس كريم…
ولا مرة وقفوا.
إيدي بدأت تبرد… ونفسي بقى تقيل.
العربية خرجت من المنطقة خالص… دخلت طريق هادي… شبه فاضي… نور قليل… وأنا بدأت أتعرف على المكان.
طريق الطلعة اللي جنب الأراضي الزراعية… المكان اللي الشباب بيروحوا له عشان يهربوا من عيون الناس.
قلبي وقع.
— رايحين هناك ليه؟!
همست بالكلام وأنا بترعش.
أحمد ركن العربية… والكاميرا جابتهم من جوه.
ريم شدّت الهودي على راسها… وبصّت لقدام.
صوتها طلع ضعيف جدًا:
— بابا… أنا تعبت. مش قادرة أكمل كده.
وقتها… حسيت إن الدنيا وقفت.
“بابا”؟!
أنا عمري ما سمعتها بتناديه كده.
أحمد رد بهدوء غريب:
— احكيلي يا ريم… أنا معاكي.
وساعتها… كل حاجة اتغيرت.
ريم بدأت تتكلم… وهي بتكتم دموعها.
حكت له إنها استلفت فلوس من بنت معاها في المدرسة… مبلغ كبير بالنسبة لسنها… عشان تشتري موبايل زي صحابها.
وإن البنت دي بقت تضغط عليها… وتهددها… وتقولها هتفضحها قدام المدرسة.
— أنا غلطت… عارفة إني غلطت… بس كنت محرجة أقولك… أو أقول لماما…
قالت وهي صوتها بيكسر.
أنا دموعي نزلت من غير ما أحس.
أحمد ما اتعصبش…
ما زعقش… ما حكمش عليها.
فضل ساكت لحظة… وبعدين قال:
— أيوه غلطتي… بس مش نهاية الدنيا. كلنا بنغلط. المهم نصلح.
بصت له ريم كأنها مستنية حكم عليه.
قال لها:
— إحنا هنحل الموضوع سوا… مش هسيبك.
فضلوا قاعدين وقت طويل… يتكلموا… يخططوا… يفكروا.
قال لها إزاي يروحوا المدرسة ويتكلموا مع الإدارة… إزاي يواجهوا البنت دي من غير خوف… وإزاي يسددوا الفلوس حتى لو على مراحل.
— حتى لو هشد على نفسي شوية في الشغل… مش هسيبك تغرقي لوحدك.
قالها بهدوء.
ريم بدأت تهدى… وبعدين… ابتسمت ابتسامة صغيرة…
أول مرة أشوفها من فترة.
وفي طريق الرجوع… وقفوا عند فرن فاتح.
جابوا فطير سخن وعصير… وضحكوا.
ضحكة ريم كانت خفيفة… بس حقيقية.
قفلت اللاب توب… وأنا إيدي بترتعش.
أنا كنت فاكرة أسوأ حاجة…
لكن الحقيقة… كانت أجمل بكتير.
تاني يوم الصبح، جمعتهم على الفطار.
الجو كان تقيل… الساعة بتكتك… ونور الشمس داخل من الشباك.
بصيت لهم وقلت بهدوء:
— أنا شوفت كل حاجة.
ريم وشها اصفر… وأحمد بص لي وسكت.
قال بهدوء:
— كنت ناوي أقولك… بس كنت مستنيها تبقى جاهزة.
قمت من مكاني…
وقربت من ريم… وحضنتها جامد.
— إنتي مش لوحدك… عمرك ما كنتي لوحدك.
وبعدين بصيت لأحمد… وحضنته.
— شكرًا…
قلت الكلمة دي وأنا فعلاً حاسه بيها.
مافيش خناق… مفيش اتهام.
قعدنا سوا… وحطينا خطة.
رحنا المدرسة… اتحلت المشكلة… والفلوس اتدفعت على دفعات.
الأيام عدّت…
وريم بقت أقوى… أهدى… وأقرب لينا.
وأنا… اتعلمت درس عمره ما هيتنسي.
مش كل حاجة بتبان غلط… تبقى غلط.
وأحيانًا… الحب الحقيقي… بيبقى في خروجة بليل… من غير آيس كريم… على طريق ضلمة…
بس فيها حد… بيسمعك بجد… وواقف جنبك…
من غير ما يحكم عليك.
وساعتها بس… بتحس إنك في أمان.
حكايات فاتن تمت